منذ اللحظة الأولى التي امتلكت فيها الفيلا، كنت أعلم أنني لا أريد تصميمًا تقليديًا مكررًا، ولا ديكورًا مستوردًا لا يمت لبيئتنا بصلة. كان هدفي واضحًا: فيلا تعكس روح الأرض، وتُجسد هوية المكان، وتحتضن الطبيعة السعودية بكل تفاصيلها، من النباتات المحلية، إلى الخامات التراثية، إلى الأجواء التي تشبه بيوت الأجداد ولكن برؤية عصرية مدروسة.

لم أكن أبحث عن فخامة مبالغ فيها، بل عن أصالة تشع بالهدوء، وديكور يشعرني بالانتماء في كل زاوية.

بداية الفكرة: حنين للمكان والهوية

كبرت في بيت طيني قديم، تحيط به أشجار السدر والنخيل، وساحة خارجية كنا نجتمع فيها مساءً. ذلك المشهد ظل محفورًا في ذاكرتي، ومع مرور السنوات وتغير أنماط البناء، شعرت أن الكثير من البيوت الحديثة فقدت روحها، وأصبحت متشابهة، بلا قصة ولا هوية.

عندما قررت بناء الفيلا، قلت لنفسي:
“أريد بيتًا يشبه الأرض التي أقف عليها، لا نسخة من بيوت لا تشبهنا.”

ومن هنا بدأت الرحلة.

التحدي الأول: إيجاد من يفهم الفكرة

تواصلت مع أكثر من شركة تصميم وديكور. معظمهم عرضوا أفكارًا جميلة بصريًا، لكنها بعيدة تمامًا عن البيئة السعودية. رخام أوروبي، نباتات مستوردة تحتاج عناية مبالغ فيها، ديكورات لا تتحمل المناخ، وألوان لا تنتمي للمكان.

كنت أسمع كثيرًا:

  • “هذا هو الترند”

  • “هذا أكثر فخامة”

  • “هذا التصميم منتشر”

لكن لم أسمع أحدًا يقول:
“هذا يشبه أرضك، وبيئتك، وثقافتك.”

إلى أن التقيت بفريق فهم ما أريده قبل أن أشرحه بالكامل.

اللقاء الذي غيّر كل شيء

من أول جلسة، كان الحوار مختلفًا. لم يبدأوا بعرض كتالوجات، بل بأسئلة عميقة:

  • ما الذي تحب أن تشعر به عندما تدخل الفيلا؟

  • ما الذكريات المرتبطة لديك بالطبيعة؟

  • هل تفضل النباتات البرية أم المزروعة؟

  • ما علاقتك بالتراث؟

تحدثت طويلًا عن النخيل، عن السدر، عن العرعر، عن الحصى الطبيعي، عن الفوانيس القديمة، عن المجالس الخارجية، وعن الرغبة في دمج الماضي بالحاضر دون تشويه أي منهما.

هنا فقط، شعرت أنني أمام فريق لا يصمم فقط… بل يترجم الأفكار إلى هوية.

تصميم يعكس البيئة السعودية

بدأ العمل على تصميم الفيلا من الداخل والخارج كمنظومة واحدة، لا كمساحات منفصلة.

أولًا: الواجهة الخارجية

تم اختيار ألوان مستوحاة من الطبيعة:

  • درجات الرمل

  • ألوان الطين

  • لمسات حجرية طبيعية

استخدام الحجر المحلي في بعض الجدران، مع خشب معالج يشبه الأبواب التراثية، أعطى الواجهة طابعًا سعوديًا أصيلًا، دون أن يبدو قديمًا أو متكلفًا.

الحديقة: قلب الفيلا وروحها

كانت الحديقة هي الجزء الأقرب إلى قلبي. لم أردها مجرد مساحة خضراء، بل امتدادًا طبيعيًا للبيئة السعودية.

النباتات المختارة:

  • نخيل بأنواعه

  • شجر السدر

  • أشجار الطلح

  • نباتات برية تتحمل الحرارة وقليلة الاستهلاك للمياه

  • أعشاب عطرية محلية

لم يكن الاختيار عشوائيًا، بل مدروسًا من حيث:

  • التكيف مع المناخ

  • الاستدامة

  • سهولة الصيانة

  • الشكل الطبيعي غير المصطنع

الجلسات الخارجية: مجلس بطابع تراثي

تم تصميم جلسة خارجية تشبه المجالس القديمة:

  • أرضية حجر طبيعي

  • مقاعد منخفضة مكسوة بأقمشة تراثية

  • وسائد بألوان مستوحاة من السدو

  • مظلة خشبية تعكس الطراز النجدي

في المساء، تصبح هذه الجلسة المكان المفضل للعائلة والضيوف، حيث يلتقي الحديث مع النسيم، وتعود الروح للبساطة الجميلة.

الإضاءة: حكاية تُروى ليلًا

الإضاءة لم تكن قوية أو مباشرة، بل هادئة ومدروسة:

  • فوانيس تشبه القديمة

  • إضاءة أرضية خافتة للممرات

  • أضواء مخفية بين النباتات

  • إنارة دافئة تُبرز الحجر والخشب

ليل الفيلا مختلف… هادئ، شاعري، يعكس روح المكان دون ضجيج.

النوافير والعناصر المائية

رغم بساطة التصميم، تم إضافة نافورة صغيرة بطابع تراثي:

  • حجر طبيعي

  • تدفق ماء هادئ

  • صوت يبعث على الطمأنينة

لم تكن النافورة عنصر فخامة، بل عنصر حياة، يضيف حركة وصوتًا طبيعيًا يكمل المشهد.

الداخل: امتداد للهوية الخارجية

عند الدخول إلى الفيلا، لا تشعر بانفصال عن الخارج. الألوان متناسقة، والخامات مستمرة:

  • خشب طبيعي

  • أقمشة تراثية

  • لمسات يدوية في الديكور

  • قطع فنية مستوحاة من البيئة السعودية

حتى النباتات الداخلية كانت مختارة بعناية، لتعكس نفس الروح دون مبالغة.

التوازن بين التراث والراحة الحديثة

أكثر ما أعجبني هو القدرة على الجمع بين:

  • التراث والحداثة

  • الأصالة والراحة

  • الجمال والوظيفة

فالفيلا مجهزة بأحدث التقنيات، لكن دون أن تطغى على الهوية البصرية أو تشوه الطابع العام.

ما بعد التنفيذ: تجربة مستمرة

بعد الانتهاء، لم تنتهِ العلاقة. كان هناك:

  • متابعة للنباتات

  • إرشادات للعناية

  • زيارات دورية

  • اهتمام بالتفاصيل الصغيرة

شعرت أن المشروع لم يكن مجرد تنفيذ، بل شراكة في خلق مساحة تعيش معنا وتكبر معنا.

الخلاصة: فيلا تحكي قصة

اليوم، عندما أجلس في الحديقة، أو أستقبل ضيوفي، أو أعيش تفاصيل يومي داخل الفيلا، أشعر أن المكان يتحدث:
عن الأرض، عن التراث، عن الطبيعة، عن هوية لا تموت.

لم تكن الفيلا مجرد بناء، بل قصة مكتوبة بالحجر، والخشب، والنبات، والضوء.

وأدركت أن الديكور الحقيقي ليس ما يُبهر العين فقط، بل ما يلامس القلب، ويعكس من نحن.